التعليم في زمن الألم: معاناة طلاب طولكرم بين الاقتحامات وانعدام الأساسيات
في مدينة طولكرم، حيث تُختَطَفُ أحلام الطلاب بين دويّ القنابل وصراخ الآلات العسكرية، تحوّل الفصل الدراسي الثاني إلى كابوسٍ يومي. لم يعد الحديث عن "التعليم عن بُعد" خيارًا تقنيًّا مُتاحًا، بل تحوّل إلى ضرورة قاسية تُجبر الطلاب على التعلُّم تحت وطأة الخوف، وانعدام الكهرباء، وتفكُّك شبكات الإنترنت. هذه ليست قصة عن صعوبات تقنية، بل عن انتهاكٍ صارخ لحقٍ أساسي من حقوق الإنسان: حق التعليم.
![]() |
التعليم في زمن الألم |
حين يصبح الفصل الدراسي "خندقًا"!
مع بداية الفصل الدراسي الثاني، تحوّلت مدارس طولكرم إلى ساحات مُغلقة، ليس بسبب جائحةٍ صحية، بل بسبب اقتحامات عسكرية متكررة تترك وراءها دمارًا ماديًّا ونفسيًّا. الطلاب الذين اعتادوا على ضجيج الفصول وصراخ الزملاء، وجدوا أنفسهم فجأةً أمام شاشات هواتف محمولة باهتة، يحاولون سماع صوت مُعلميهم عبر اتصالٍ متقطّع، بينما تدوي خارج نوافذهم أصوات الانفجارات.
التحديات اليومية:
انعدام الكهرباء والماء: في مخيمات طولكرم، تحوّل الحصول على قطرة ماء أو شمعة إضاءة إلى معركة يومية. كيف يتعلَّم طفلٌ دون إنارة؟ كيف يُذاكر وهو يسمع صراخ أمه بحثًا عن ماء الشرب؟
انهيار البنية التحتية للإنترنت: حتى إن وُجد اتصالٌ بالإنترنت، فهو أشبه بـ "خيط رفيع" ينقطع مع كل دويّ قنبلة.
النزوح القسري: عائلاتٌ بأكملها تُهجَّر من منازلها بعد تفجيرها، لتصبح "المدرسة الافتراضية" آخر اهتمامات طفلٍ يحمل حقيبته المدرسية فوق أنقاض منزله.
الأثر النفسي: جيلٌ يُحاصَر بالخوف واليأس
لم يعد الخوف من "الاختبارات المدرسية" هو الهاجس الأكبر للطلاب، بل الخوف من أن تُقتل أحلامهم تحت أنقاض منزلٍ مُدمَّر، أو أن تفقد عائلةٌ بأكملها القدرة على توفير أبسط مقومات الحياة.
الطلاب: يشعرون بالعجز والغضب، فبدلًا من أن تكون المدرسة ملاذًا آمنًا، أصبحت ذكرياتها مرتبطة بالدخان ورائحة البارود.
المعلمون: يُحاولون إلقاء الدروس عبر الهاتف بينما تهتز أصواتهم من شدة القصف، مُتحمّلين عبئًا نفسيًّا مضاعفًا: مسئولية التعليم، ومسئولية حماية طلابهم من اليأس.
الأهالي: يحملون ذنبًا مزعومًا لأنهم عاجزون عن توفير أبسط حقوق أبنائهم: التعليم الآمن.
التعليم عن بُعد: وهم الحلول في واقع مُدمَّر
في دول العالم، يُعتبر "التعليم عن بُعد" خيارًا لتطوير العملية التعليمية، أما في طولكرم، فهو شهادة إخفاقٍ دولي في حماية حقوق الإنسان.
- مدارس بلا كهرباء: كيف تُنفَّذ حصةٌ عبر "التيميز" في مكانٍ ينقطع فيه التيار الكهربائي يوميًّا؟
طلاب بلا أجهزة: ليست كل العائلات قادرة على توفير هاتف ذكي لكل طفل، خاصةً بعد أن دمّرت الجرافات منازلهم.
معلمون بلا أدوات: كيف يُشرح درس الفيزياء دون ورقة أو قلم، أو يُعرض فيديو تعليمي دون إنترنت؟
نداء إلى الضمير العالمي:
الطلاب في طولكرم لا يحتاجون إلى شهادات تعاطفٍ دولية، بل إلى خطوات فعلية:
1. ضغط دولي لإيقاف الاقتحامات: التعليم لا يزدهر تحت القصف.
2. دعم البنية التحتية: توفير مولدات كهرباء، وأجهزة لوحية، وشبكات إنترنت طارئة.
3. برامج الدعم النفسي: طلابٌ يشهدون دمار منازلهم يوميًّا يحتاجون إلى أكثر من دروسٍ أكاديمية.
الخاتمة:
في طولكرم، يُكتب الفصل الدراسي الثاني بحروفٍ من الألم. كل طفلٍ يجلس خلف شاشة هاتف محمول هو شاهدٌ على فشل المجتمع الدولي في حماية أبسط حقوقه. التعليم ليس رفاهية، بل هو جسرٌ نحو المستقبل. وإذا كان العالم صامتًا اليوم أمام تدمير هذا الجسر، فكيف سيبني أطفال طولكرم غدهم؟ السؤال ليس لهم، بل لنا.
الكاتب: أيمن غانم
التسميات
مقالات سياسية