الخدمة الاجتماعية المتقدمة: مهارات وإستراتيجيات في التعامل مع الحالات المعقدة

 هل تساءلت يومًا كيف يمكن للأخصائي الاجتماعي التدخل بفعالية في المشكلات الأسرية المعقدة مثل الغيرة الزوجية؟ وما المهارات التي يحتاجها لضمان تقديم الدعم المناسب دون التسبب في مزيد من التعقيد؟

تُعتبر الخدمة الاجتماعية من المهن الإنسانية التي تعتمد على مزيجٍ من المعارف العلمية والقيم الأخلاقية والمهارات المتخصصة لمساعدة الأفراد على تجاوز التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجههم. في الحالات المعقدة، مثل تلك التي يواجهها الأخصائي الاجتماعي عند التعامل مع عميلة تعاني من غيرة مفرطة واضطرابات في العلاقة الزوجية، تبرز الحاجة إلى توظيف مهارات متقدمة تتناسب مع طبيعة المشكلة وخصوصية العميل.  

الأخصائي الاجتماعي أيمن غانم خلال جلسة مهنية حول تقنيات التدخل العلاجي
الاخصائي الاجتماعي أيمن غانم

أولاً: المهارات المتقدمة اللازمة للتعامل مع الحالة

1. مهارة جمع المعلومات والدراسة:  

أبدأ بتحديد موعد للمقابلة المهنية في زمان ومكان مناسبين، لضمان بيئة آمنة تتيح للعميلة البوح بمشاعرها. أستخدم مهارة طرح الأسئلة المفتوحة (غير المُقيَّدة بإجابات "نعم/لا") لجمع البيانات الشاملة عن الأسباب الكامنة وراء المشكلة، مثل العوامل النفسية أو الاجتماعية. كما أُطبق مهارة الإنصات التفاعلي للكشف عن الجوانب الشعورية واللاشعورية، من خلال مراقبة لغة الجسد ونبرة الصوت، مما يُعزز الثقة ويُسهِّل تشخيص المشكلة بدقة.  

2. مهارات التواصل العاطفي:  

- عكس المشاعر: أقول للعميلة: "يبدو أنكِ تشعرين بالحيرة بسبب ابتعاد زوجك"، مما يُظهر تفهُّمي لمشاعرها ويقوي الرابطة المهنية.  

- عكس المحتوى: أعيد صياغة كلام العميلة بأسلوب مُوجَّه، مثل: "تقصدين أن متابعتك لزوجك في العمل نابعة من قلقك عليه؟"، مما يُساعدها على رؤية الموقف من زاوية جديدة.  

- التفسير المهني: أربط الأسباب بالنتائج، كقول: "خوفك الزائد قد يدفع زوجك للشعور بالضيق"، مع مراقبة ردود الفعل لضمان صحة التفسير.  

3. مهارات التقييم والمتابعة:  

أستخدم التسجيل الدقيق للمعلومات، والتلخيص لضبط سير الجلسات، وصياغة تقارير تقديرية تركِّز على العوامل الشخصية والبيئية المؤثرة، مما يُسهِّل عملية التحويل لمؤسسات أخرى عند الحاجة.  

ثانياً: مستويات وأنساق التدخل المهني

تنقسم مستويات العمل في الخدمة الاجتماعية إلى:  

- المستوى الفردي (الإكلينيكي): أعتمد على النموذج الطبي (دراسة، تشخيص، علاج)، وهدفي هو تعديل السلوكيات الخاطئة عبر نماذج مثل العلاج المعرفي السلوكي أو حل المشكلات.  

- المستوى الجماعي أو المجتمعي: أتعامل مع الحالة إذا تفاقمت وأثرت على الأسرة أو المحيط الاجتماعي.  

أما الأنساق التي أتعامل معها فتتضمن:  

- نسق التغيير: (أنا كمختص والمؤسسة) لدورنا في تصميم برامج مساندة.  

- نسق العميل: (الزوجة/الزوج) كمركز للتدخل.  

- نسق المشكلة: (الغيرة المفرطة) كهدف للعلاج.  

- نسق العمل: (الأهل، الجيران، المؤسسات) كشبكة دعم خارجية.  

ثالثاً: الأخطاء الشائعة في استخدام الأسئلة وكيفية تجنبها 

- الأسئلة المتدفقة أو الاستجوابية: أتجنب الأسئلة التي تُشعر العميل بالضغط، مثل: "لماذا تخافين؟ هل تتصلين به دائمًا؟".  

- الأسئلة الإيحائية أو المركبة: أبتعد عن الأسئلة التي تُشتت التركيز، كسؤال: "أخبريني عن شعورك وطريقة مراقبتك لزوجك؟".  

- إهمال المشاعر أو التفسير الخاطئ: أحرص على تفهُّم السياق قبل إبداء الرأي، وأتجنب قول: "الغيرة غير منطقية".  

- النصح المباشر دون تشخيص: أُشرك العميل في وضع الخطة العلاجية بدلاً من تقديم حلول جاهزة.  

رابعاً: نموذج الجسر: ربط الحاجة بالخدمة

أُطبِّق هذا النموذج عبر إنشاء قنوات اتصال ثنائية الاتجاه بين العملاء والمؤسسات، مثل:  

- التواصل مع الزوج: لتحويله إلى خدمات استشارية تُعالج ضغوطه.  

- دعم الأبناء: عبر توجيههم لبرامج الدعم النفسي.  

- الزوجة الثانية: أقدم استباقيًا خدمات الوقاية من الصراعات المستقبلية.  

- الحملات التوعوية: أُعرِّف المجتمع بالمؤسات الداعمة، كالجمعيات الأسرية.  

خامساً: بناء العلاقة المهنية: من الثقة إلى الحل  

العلاقة المهنية هي جسر العبور نحو التغيير، وأبنيها عبر:  

1. التقبل غير المشروط: أتقبل العميل كما هو دون أحكام مسبقة.  

2. التعاطف الوجداني: أستخدم لغة الجسد الإيجابية (كالابتسامة) وعكس المشاعر.  

3. المشاركة في صنع القرار: أُشرك العميل في وضع الخطة العلاجية.  

4. التواصل مع الزوج: أقوم بزيارات ميدانية أو جلسات مشتركة، لتحقيق التوازن في الرؤية.  

الخاتمة: نحو ممارسة مهنية شاملة

لا تقتصر المهارات المتقدمة في الخدمة الاجتماعية على التقنيات الفردية، بل تتطلب رؤيةً تكامليةً تجمع بين التحليل الدقيق للأنساق الاجتماعية، والمرونة في استخدام النماذج العلاجية، والإبداع في بناء الجسور بين الحاجات والموارد. وبذلك، أكون كأخصائي اجتماعي عاملَ تغييرٍ حقيقيٍّ، قادرًا على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو الأسري والمجتمعي.

الكاتب: أيمن غانم

أحدث أقدم

نموذج الاتصال