أيمن غانم: الظروف النفسية للنازح الفلسطيني في الضفة الغربية

كيف يُصارع النازح الفلسطيني في الضفة الغربية ويلات الهدم، ليس فقط ليبقى على قيد الحياة، بل ليبقي أمل عائلته حيّاً في عالمٍ ينهار فوق رؤوسهم؟

في خضمّ حطام البيوت المُتداعية، وأصوات البُنايات التي تتهاوى تحت وطأة الجرافات، تُولد معاناةٌ إنسانيةٌ تختزل قصص آلاف العائلات الفلسطينية التي تُجبر على مغادرة منازلها في الضفة الغربية. هنا، حيث يتحوّل البيت من ملجأ للأحلام إلى ذكرى مؤلمة، يبدأ النازح الفلسطيني رحلته الشاقة حاملاً عبء تأمين الغذاء، والأمان، والكرامة لعائلته، وسط واقعٍ يُمزّق بين ماضٍ يُحاول إنقاذه ومستقبلٍ غامض.  

صورة أيمن غانم، أخصائي اجتماعي، يتحدث عن الصمود النفسي للنازحين الفلسطينيين في الضفة الغربية، معبرًا عن معاناة الآباء والأمهات في ظل فقدان بيوتهم.
الكاتب: ايمن غانم

الهدم: جرحٌ يَنزف في الذاكرة الجماعية

ليس الهدم مجرد تهديم جدرانٍ من الإسمنت، بل هو اقتلاعٌ لجذورٍ عاش عليها أجيال. يشعر النازح بأنّ جزءًا من هويته قد انهار مع كل حجرٍ سقط، ليتحوّل إلى لاجئٍ في أرضه، يحمل معه:  

- حنينٌ مركّب: ذكريات الطفولة، وصور الأجداد على الجدران، وعبق القهوة الصباحية التي لم يعد لها مكان.  

- صدمة اللااستقرار: العيش المؤقت في خيمة أو غرفة مُستأجرة يزرع شعوراً بالغربة، حتى لو كان الموقع على بُعد أمتار من البيت المهدم.  

- صراع البقاء: تحوّل الأولويات من بناء مستقبل إلى تأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء، مما يُثير تساؤلاتٍ وجودية حول معنى الحياة ذاتها.  

الأب: حامي الأسرة.. والوجع الخفي

يُضحي الأب النازح رمزاً للصمود، لكن وراء هذه الصورة تكمن معاناةٌ لا تُرى:  

- الذنب المُزمن: يشعر بأنّه عاجزٌ عن حماية عائلته من قسوة الواقع، فيتحوّل كل نقص في الطعام أو الدفء إلى إدانة ذاتية.  

- الخوف من فقدان السيطرة: محاولاته المستميتة لإخفاء قلقه عن أطفاله تزيد من توتره، خاصةً عندما يرى نظرات الخوف في عيون زوجته.  

- الانهيار في صمت: يرفض البكاء أو الشكوى، مُعتقداً أنّه يجب أن يكون "القلعة الحصينة"، لكنّ هذا الكبت يُغذّي أمراضاً جسدية ونفسية كأمراض الضغط والاكتئاب.  

الأطفال: براءةٌ مُهددة 

أطفال النازحين ليسوا ضحايا عابرين؛ بل هم أجيالٌ تحمل جراحاً عميقة:  

- الارتباك الوجودي: يسأل الطفل: "لَمْ نَعُدْ نستحق بيتاً؟"، فتتحول الإجابة إلى صمتٍ يُثقله.  

- الكوابيس المتكررة: أصوات الانفجارات وصراخ الجيران تطارده في النوم، ليعيش في حالة تأهب دائمة.  

- ضياع الطفولة: يُجبر الصغير على النضوج المبكر، فيتحمّل مسؤولياتٍ تفوق عمره، كمساعدة والده في العمل أو رعاية إخوته.  

المرأة: حارسة الجمر الأخير

الزوجة النازحة تتحمل دوراً مزدوجاً: مُساندة لزوجها، وحاضنة لمشاعر أطفالها:  

- القوة الهشة: تُظهر صلابةً في إدارة شؤون المنزل رغم الدموع التي تُخفيها، وتُعيد ترتيب الفوضى يومياً كي لا يشعر الصغار بالضياع.  

- القلق على الهوية: تخشى أن تفقد العائلة تماسكها الثقافي والديني في بيئة النزوح، فتُصبح حريصةً على التمسك بالتقاليد كشكل من المقاومة.  

- التضحية غير المحدودة: تتنازل عن حصتها من الطعام لتُشبع أطفالها، وتُهمل صحتها كي لا تُثقل كاهل العائلة بمصاريف العلاج.  

الشبكات الاجتماعية: خيوط الأمل في ظل العزلة

رغم القهر، تُشكّل التقاليد المجتمعية الفلسطينية حائط صدّ ضد اليأس:  

- التكافل كسلاح: توزيع الطعام بين الجيران، وإعارة الدفايات في الشتاء، ومشاركة قصص النجاح البسيطة، كلها تُعيد إحياء الإيمان بإمكانية تجاوز المحنة.  

- المقاومة بالتعليم: إصرار الأهالي على إلحاق أطفالهم بالمدارس رغم الصعوبات، كرسالةٍ بأنّ الهدم لن يقتلع أحلامهم.  

- فنّ صناعة الفرح: تحويل المناسبات البسيطة كأعياد الميلاد إلى فرصٍ لزرع البهجة، كردّ فعلٍ على محاولات تجريدهم من إنسانيتهم.  

الخاتمة: عندما يُصبح الألم إرثاً للمقاومة

النازح الفلسطيني في الضفة الغربية لا يُختزل في كونه ضحية؛ بل هو شاهدٌ على قدرة الإنسان أن يخلق الحياة من بين الركام. كل وجبةٍ يُعدّها، وكل غطاءٍ يُدفئ أطفاله، وكل دمعةٍ يُمسكها كي لا ينهار، هي فعل مقاومة. هؤلاء لا ينتظرون الشفقة، بل يُطالبون بالعدالة التي تُعيد لهم حقّهم في العيش بسلام على أرضهم. إنّهم يكتبون بآلامهم تاريخاً لن يمحوه الجرافات.  

الكاتب: ايمن غانم

أحدث أقدم

نموذج الاتصال