ضحايا الحروب والخدمة الاجتماعية الدولية
بقلم: أيمن غانم
ضحايا الحروب
مع تصاعد النزاعات المسلحة والحروب في مختلف أنحاء العالم، يتزايد عدد الضحايا بين المدنيين بشكل مأساوي، مما يؤدي إلى ارتفاع عدد القتلى والمصابين، إضافة إلى تفشي الفقر والتشرد. كما أن الحروب تخلف وراءها أعدادًا كبيرة من ذوي الإعاقة، والأيتام، والأسر التي فقدت معيلها، واللاجئين الذين يضطرون إلى مغادرة بلادهم بحثًا عن الأمان. هذه الفئات تحتاج إلى دعم مستمر من قبل الحكومات والمنظمات الإنسانية، بما في ذلك مهنة الخدمة الاجتماعية.
دور مهنة الخدمة الاجتماعية
تلعب الخدمة الاجتماعية دورًا محوريًا في مساعدة الأسر المتضررة من الحروب، حيث تركز على تعزيز قدراتهم النفسية والاجتماعية، ودعم إمكانياتهم المتبقية لإعادة الاندماج في المجتمع. كما تقوم بإعادة تأهيل المتضررين نفسيًا، اجتماعيًا، ومهنيًا، لمساعدتهم في استعادة حياتهم الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الخدمة الاجتماعية بدعم الجنود العائدين من المعارك من خلال تقديم الاستشارات النفسية، وتأمين الاستقرار المادي لهم، مما يسهم في تخفيف الآثار النفسية للحرب عليهم.
وتشمل أدوار الخدمة الاجتماعية أيضًا مساعدة الأيتام والمشردين من خلال توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم، وتحويل من يحتاج إلى تدخلات متخصصة إلى مؤسسات الرعاية المناسبة.
دور الخدمة الاجتماعية مع الأسر المتضررة
تتعامل الخدمة الاجتماعية مع مختلف الفئات المتأثرة بالحروب، ومنها:
- أسر الشهداء: توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم، ومساعدتهم في التعامل مع الفقدان.
- الأسرى: تقديم المساندة الاجتماعية والنفسية لهم ولعائلاتهم، ومساعدتهم في الاندماج بعد الإفراج عنهم.
- ذوي الإعاقة: تقديم خدمات التأهيل والتدريب لهم لمساعدتهم على العيش باستقلالية.
- اللاجئين والمهجرين: مساعدتهم في الاندماج داخل المجتمعات الجديدة، وتوفير الخدمات الأساسية لهم.
دور الخدمة الاجتماعية مع المجتمع
تسعى الخدمة الاجتماعية إلى تعزيز الوعي المجتمعي حول قضايا ضحايا الحروب من خلال:
- استثارة الرأي العام حول قضايا اللاجئين والمشردين.
- تنسيق الجهود الشعبية لمساعدة المتضررين من الحروب.
- تنظيم حملات استقبال اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية لهم.
العمل مع ضحايا الحروب بمفهوم الخدمة الاجتماعية الدولية
يعتمد العمل مع ضحايا الحروب على مفهوم الممارسة العامة المتقدمة، حيث يختار الأخصائي الاجتماعي المجال الذي سيعمل فيه، مع تطبيق نماذج وأساليب تدخل مهني تركز على تحسين الأداء الاجتماعي للفئات المستهدفة.
المنظورات المقترحة للعمل مع ضحايا الحروب
1. منظور الأنساق العامة
يرتكز هذا المنظور على أن كل الكائنات الحية هي أنساق متكاملة تتفاعل مع بعضها البعض. ووفقًا لهذا المنظور، فإن الإنسان جزء من نظام اجتماعي شامل، ويجب دراسة مشكلاته ضمن السياق العام للنظام الذي يعيش فيه.
2. المنظور البيئي (الإيكولوجي)
يُركز هذا المنظور على العلاقة التفاعلية بين الإنسان وبيئته، حيث يعتمد التدخل المهني على تحسين بيئة الفرد لجعلها أكثر دعمًا له. يعمل الأخصائي الاجتماعي على:
- تعزيز قدرة الفرد على التكيف مع بيئته.
- تحسين النظم المحيطة به لتلبية احتياجاته.
- توفير الدعم للأفراد الأكثر تضررًا لضمان بقائهم في بيئة ملائمة.
3. منظور نظرية المجال لكيرت ليفين
ترى هذه النظرية أن سلوك الأفراد يتحدد بناءً على المجال الذي يعيشون فيه، أي أن التفاعل بين البيئة والشخص هو الذي يحدد كيفية استجابته للمواقف المختلفة. يساعد هذا المنظور الأخصائيين الاجتماعيين في فهم العوامل التي تؤثر على سلوك الأفراد المتضررين من الحروب وتطوير استراتيجيات لمساعدتهم.
4. منظور الجشتالت (النظرة الكلية)
يركز هذا المنظور على أن الإنسان مسؤول عن حياته، ولديه القدرة على التغيير. ويهدف الأخصائي الاجتماعي إلى مساعدة الأفراد على:
- التعبير عن مشاعرهم المكبوتة مثل الألم والغضب.
- تحسين وعيهم الذاتي وتطوير مهارات التكيف مع الظروف الجديدة.
- استخدام استراتيجيات مثل التمارين اللغوية، تمثيل الأدوار، والتخيل لمساعدتهم على مواجهة صدمات الحرب.
استراتيجيات التدخل الاجتماعي لمساعدة ضحايا الحروب
1. استراتيجية الدمج والتماسك الاجتماعي
تُعد الحروب سببًا رئيسيًا في تفتيت المجتمعات، لذا تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق التماسك الاجتماعي عبر:
- تنشيط الاقتصاد: الحد من الفقر والبطالة لتعزيز الاستقرار المجتمعي.
- تعزيز الهوية الوطنية: غرس مفهوم المواطنة للحد من التمييز والصراعات.
- تشريع قوانين لمكافحة التمييز: حماية حقوق الأقليات والفئات الضعيفة.
- دعم التعددية الثقافية: تعزيز التفاهم بين مختلف الثقافات داخل المجتمع.
- تعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية: تشجيع الفئات المهمشة على المشاركة في صنع القرار.
2. استراتيجية الممارسة المناهضة للظلم
تهدف هذه الاستراتيجية إلى مواجهة الظلم الاجتماعي والاقتصادي الواقع على الأفراد نتيجة الحروب، من خلال:
- تحليل العوامل المسببة للظلم وتحديد أسبابه الجذرية.
- تنفيذ خطط دعم ومساندة لمساعدة الفئات المستضعفة على استعادة حقوقها.
- خلق بيئة اجتماعية عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية.
خاتمة
تمثل الخدمة الاجتماعية الدولية عنصرًا أساسيًا في دعم ضحايا الحروب، حيث تسهم في إعادة تأهيل الأفراد والمجتمعات المتضررة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمادي لهم. تعتمد المهنة على استراتيجيات علمية تهدف إلى تحسين الظروف الحياتية لضحايا الحروب وتعزيز قدرتهم على الاندماج والتكيف. لذا، من الضروري تعزيز دور الأخصائيين الاجتماعيين وتوفير الموارد اللازمة لهم لضمان نجاح جهودهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وعدالة.