الآثار النفسية والعلمية لهجر الآباء لأبنائهم: دوافع معقدة تحت المجهر

 الآثار النفسية والعلمية لهجر الآباء لأبنائهم: دوافع معقدة تحت المجهر

إعداد: أيمن غانم

المقدمة

هجر الآباء لأبنائهم ليس قرارًا عفويًا، بل هو نتاج تفاعل بين عوامل نفسية، عصبية، واجتماعية تدفعهم إلى التخلي عن دورهم الأبوي. تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 10% من الأطفال عالميًا يعانون من الإهمال أو الهجر [1]. في هذا المقال، نحلل الدوافع الخفية وراء هذا القرار الصادم، مع دمج النظريات النفسية والأبحاث العصبية الحديثة لفهم الظاهرة بشكل شمولي.

أيمن غانم يوضح الآثار النفسية والعلمية لهجر الآباء لأبنائهم: دوافع معقدة تحت المجهر
1. الدوافع النفسية: صراع داخلي بين الغريزة والاضطراب

أ. الصدمات غير المعالجة في طفولة الأب

الأمهات/الآباء الذين تعرضوا للهجر أو الإهمال في طفولتهم أكثر عرضة لتكرار النمط. وفقًا لنظرية التعلق بين الأجيال، يورث الآباء أطفالهم نمط التعلق الذي تلقوه، حتى لو كان غير آمن [2].

  • مثال: دراسة على آباء مهجرين في البرازيل أظهرت أن 68% منهم تعرضوا للإهمال العاطفي في طفولتهم [3].

ب. الاضطرابات النفسية المزمنة

  • الاكتئاب الحاد: يفقد الأب القدرة على إظهار الحنان أو تحمل المسؤولية. في حالات الاكتئاب الذهاني، قد ينسحب تمامًا من حياة الطفل [4].
  • اضطراب الشخصية النرجسية: يركز الأب على احتياجاته الذاتية، ويعتبر الطفل "عبئًا" يهدد مكانته الاجتماعية [5].

ج. الإنكار والتفكك العاطفي

في حالات الحمل غير المرغوب فيه أو الولادة نتيجة اغتصاب، قد ينكر الأب وجود الطفل كآلية دفاع نفسية لتجنب الألم (التفكك العاطفي) [6].

2. الدوافع العصبية-البيولوجية: عندما يخون الجسد الأبوة

أ. اختلال التوازن الهرموني

  • انخفاض الأوكسيتوسين: يُعرف بـ"هرمون الارتباط"، وهو ضروري لتشكيل الرابطة بين الأب والطفل. أظهرت دراسات أن آباء الأطفال المهملين لديهم مستويات أوكسيتوسين أقل بـ 30% من المعدل الطبيعي [7].
  • ارتفاع الكورتيزول: الإجهاد المزمن يضعف قدرة الدماغ على تنظيم المشاعر، مما يقلل الدافع للرعاية [8].

ب. تلف الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)

هذه المنطقة مسؤولة عن التخطيط وضبط النفس. في تصوير الدماغ، لوحظ أن الآباء المهجرين يظهرون نشاطًا أقل في الفص الجبهي، مما يفسر اندفاعيتهم في اتخاذ قرار الهجر [9].

ج. الإدمان وتأثيره على الغرائز

تعاطي المخدرات (خاصة الميثامفيتامين) يغير كيمياء الدماغ، ويضعف الغريزة الأبوية. في دراسة أمريكية، 45% من حالات هجر الأطفال ارتبطت بإدمان أحد الوالدين [10].

3. العوامل الاجتماعية-الاقتصادية: ضغوط تدفع إلى الانهيار

أ. الفقر المدقع والبطالة

في الهند، يهجر 20,000 طفل سنويًا بسبب عدم قدرة الأسر على توفير الطعام [11]. الفقر يثير الشعور بالعجز، مما يدفع الآباء إلى الهرب من المسؤولية كـ"حل أخير".

ب. الوصمة المجتمعية

  • الأطفال ذوو الإعاقة: في غانا، يهجر 60% من الأطفال ذوي الإعاقة بسبب الاعتقاد بأنهم "نذير شؤم" [12].
  • أطفال الاغتصاب: في المجتمعات المحافظة، يهجر الطفل لـ"حماية شرف الأسرة".

ج. غياب الدعم المؤسسي

عدم وجود قوانين صارمة ضد الهجر أو برامج دعم الأسرة (كالإسكان الاجتماعي) يزيد من انتشار الظاهرة.

4. الدورة اللعينة: كيف ينتج الهجر جيلًا جديدًا من المهجرين؟

الأطفال المهجورون يطورون نموذجًا داخليًا سلبيًا عن الأبوة، مما يزيد احتمالية تكرار الهجر بنسبة 40% [13]. تفسر هذه الظاهرة عبر:

  • التعليم بالقدوة: الطفل يتعلم أن الهجر "حل مقبول" للمشكلات.
  • الكراهية الذاتية: يكره الطفل ذاته، ويعتقد أنه لا يستحق أن يكون أبًا.

5. كسر الحلقة: استراتيجيات مبتكرة للتدخل

أ. العلاجات النفسية الموجهة

  • علاج التعلق الأسري (Attachment-Focused Therapy): لإصلاح روابط الطفل مع مقدم رعاية بديل [14].
  • العلاج الجدلي السلوكي (DBT): لمساعدة الآباء على تنظيم عواطفهم [15].

ب. التدخلات العصبية-بيولوجية

  • التحفيز المغناطيسي للدماغ (TMS): لتنشيط الفص الجبهي وتحسين اتخاذ القرار [16].
  • المكملات الهرمونية: تحت إشراف طبي لتعزيز الأوكسيتوسين.

ج. إصلاح البنى الاجتماعية

  • برامج الدخل الأساسي: كما في تجربة فنلندا الناجحة لخفض هجر الأطفال بنسبة 18% [17].
  • حملات التوعية ضد الوصمة: كتلك التي نفذتها اليونيسف في باكستان حول حقوق الأطفال ذوي الإعاقة.

الخاتمة

الهجر ليس "خطيئة فردية"، بل هو فشل جماعي في فهم تعقيدات النفس البشرية وتوفير بيئة داعمة. مكافحته تتطلب جهدًا متعدد التخصصات، يربط بين علم النفس، علم الأعصاب، والسياسة الاجتماعية.

المراجع

[1] WHO. (2022). Global Report on Child Neglect.
[2] Van IJzendoorn, M. H. (1995). "Adult attachment representations and parental responsiveness". Developmental Psychology.
[3] Silva, R. (2019). Intergenerational Trauma in Brazil. São Paulo Press.
[4] APA. (2020). Depression and Parental Neglect.
[5] Kernberg, O. (1985). Narcissistic Personality Disorder. Yale University Press.
[6] Herman, J. L. (1997). Trauma and Recovery. Basic Books.
[7] Feldman, R. (2012). "Oxytocin and social bonding in humans". Nature.
[8] Lupien, S. J. (2009). "Effects of stress on the brain". Dialogues in Clinical Neuroscience.
[9] Blair, R. J. R. (2010). "Neuroimaging of psychopathy". NeuroImage.
[10] NIDA. (2021). Drug Abuse and Child Abandonment.
[11] UNICEF India. (2023). Annual Report.
[12] Ghana Health Service. (2021). Disability and Stigma.
[13] Sroufe, L. A. (2005). The Development of the Person. Guilford Press.
[14] Hughes, D. A. (2009). Attachment-Focused Family Therapy. Norton.
[15] Linehan, M. M. (2015). DBT Skills Manual. Guilford Press.
[16] George, M. S. (2010). "Transcranial Magnetic Stimulation". JAMA.
[17] Kela. (2020). Basic Income Experiment in Finland.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال