ما هو سبب عدم إخراج شخص من تفكيرك؟

 ما هو سبب عدم إخراج شخص من تفكيرك؟

بقلم: أيمن غانم

المقدمة

هل سبق لك أن وجدت نفسك عاجزًا عن التوقف عن التفكير في شخص ما؟ سواء كان هذا الشخص شريكًا سابقًا، صديقًا مقربًا، أو حتى شخصًا لم تلتقِ به إلا مرات قليلة، فإن استمرار وجوده في ذهنك قد يتحول إلى مصدر إزعاج أو قلق. لكن لماذا يحدث هذا؟ وما العوامل النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي تجعل بعض الأشخاص "يعلقون" في أذهاننا؟
في هذا المقال، سنستكشف الأسباب العلمية والنفسية التي تجعلنا غير قادرين على نسيان شخص ما، مع التركيز على نظريات علم النفس، علم الأعصاب، وعلم الاجتماع. سنتطرق أيضًا إلى طرق عملية للتغلب على هذه الحالة.

أيمن غانم يوضح  ما هو سبب عدم إخراج شخص من تفكيرك؟


القسم الأول: العوامل النفسية

1. نظرية التعلق (Attachment Theory)

وفقًا لنظرية التعلق التي طورها جون بولبي، فإن الروابط العاطفية التي نكوّنها في مرحلة الطفولة تؤثر على طريقة ارتباطنا بالآخرين في مرحلة البلوغ. إذا كان الشخص الذي تفكر فيه يذكرك بعلاقة تعلق آمنة أو غير آمنة من الماضي، فقد يستدعي عقلك ذكريات مرتبطة بالحاجة إلى الأمان العاطفي.

2. تكوين الذكريات العاطفية

الدماغ البشري مُصمم لتخزين الذكريات المرتبطة بالمشاعر القوية (كالفرح، الحزن، أو الخوف) بشكل أعمق. إذا كانت علاقتك بالشخص مرتبطة بأحداث عاطفية مكثفة (مثل لحظات السعادة أو الصراعات)، فإن دماغك يعيد تنشيط هذه الذكريات تلقائيًا.

3. "المجهول" والفضول

إذا كانت العلاقة مع الشخص غير مكتملة أو مليئة بالأسئلة غير المجابة (مثل: "ماذا لو؟")، فإن الفضول يُبقي هذا الشخص حاضرًا في تفكيرك. هذا ينطبق خصوصًا على العلاقات التي انتهت فجأة دون إغلاق.

القسم الثاني: العوامل البيولوجية والعصبية

1. دور الدوبامين (هرمون المكافأة)

عندما تكون العلاقة مع الشخص مصدرًا للمتعة أو الإثارة، يفرز الدماغ الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالسعادة. مع الوقت، يعتاد الدماغ على هذا "الإدمان الكيميائي"، ويصبح التفكير في الشخص وسيلة للحصول على جرعة من الدوبامين.

2. نشاط الدماغ في حالة الحب

أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي أن مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة (مثل النواة المتكئة) تكون نشطة عند التفكير في شخص نحبه، حتى بعد انتهاء العلاقة. هذا يفسر سبب استمرار الأفكار رغم الرغبة في التوقف عنها.

3. تأثير الهرمونات

هرمونات مثل الأوكسيتوسين (هرمون الارتباط) والكورتيزول (هرمون التوتر) تلعب دورًا في تثبيت الذكريات العاطفية. على سبيل المثال، التوتر الناتج عن الانفصال يزيد إفراز الكورتيزول، مما يعزز ذكريات العلاقة.

القسم الثالث: العوامل الاجتماعية والثقافية

1. الضغوط الاجتماعية

في بعض الثقافات، يُنظر إلى العلاقات العاطفية على أنها "مصيرية"، مما يخلق ضغطًا لاستعادة العلاقة أو فهم أسباب فشلها. هذا يزيد من التركيز على الشخص في التفكير.

2. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

التعرض المستمر لصور أو منشورات للشخص عبر فيسبوك أو إنستجرام ينشط ذكرياتك عنه، حتى لو كنت تحاول نسيانه. تُظهر الدراسات أن "الفضول الرقمي" يطيل أمد التفكير.

3. القصص الثقافية والأفلام

الروايات التي تروّج لفكرة "الحب الأبدي" أو "العلاقة المصيرية" تُشكل توقعاتنا العاطفية، مما يجعلنا نعتقد أن الاستمرار في التفكير في الشخص هو دليل على عمق المشاعر.

القسم الرابع: طرق عملية للتغلب على الاستحواذ الفكري

1. تقنيات العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

تعلم كيفية تحويل الأفكار السلبية إلى أخرى واقعية، مثل: "هذا الشخص لم يعد جزءًا من حياتي، وهذا لا يعني أنني فاشل".

2. ممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness)

التدرب على تركيز الانتباه على الحاضر بدلًا من الماضي يقلل من هوس التفكير. تقنيات مثل التأمل تساعد في تحقيق هذا.

3. قطع الاتصال الرقمي

حذف الشخص من حسابات التواصل الاجتماعي وتجنب متابعة أخباره يحد من المحفزات الخارجية التي تذكّرك به.

4. إعادة تعريف الهوية الذاتية

التركيز على تطوير الذات ومشاريع جديدة يساعد في تحويل الطاقة العاطفية من الماضي إلى المستقبل.

الخاتمة

عدم القدرة على إخراج شخص من تفكيرك ليس ضعفًا، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العقل، الجسد، والمجتمع. الفهم العميق لهذه الأسباب يمنحك الأدوات اللازمة لاستعادة السيطرة على أفكارك. تذكر دائمًا أن المشاعر مؤقتة، وأنك تمتلك القوة لإعادة برمجة عقلك نحو حياة أكثر توازنًا.


المراجع والمصادر

  1. Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss. New York: Basic Books.
  2. Phelps, E. A. (2004). "Human emotion and memory: interactions of the amygdala and hippocampal complex". Current Opinion in Neurobiology, 14(2), 198–202.
  3. Kashdan, T. B. (2009). Curiosity: Discover the Missing Ingredient to a Fulfilling Life. William Morrow.
  4. Schultz, W. (2016). "Dopamine reward prediction error coding". Dialogues in Clinical Neuroscience, 18(1), 23–32.
  5. Fisher, H. E. (2004). Why We Love: The Nature and Chemistry of Romantic Love. Henry Holt and Co.
  6. Carter, C. S. (2014). "Oxytocin pathways and the evolution of human behavior". Annual Review of Psychology, 65, 17–39.
  7. Giddens, A. (1992). The Transformation of Intimacy: Sexuality, Love and Eroticism in Modern Societies. Stanford University Press.
  8. Turkle, S. (2011). Alone Together: Why We Expect More from Technology and Less from Each Other. Basic Books.
  9. Illouz, E. (2012). Why Love Hurts: A Sociological Explanation. Polity Press.
  10. Beck, J. S. (2011). Cognitive Behavior Therapy: Basics and Beyond. Guilford Press.
  11. Kabat-Zinn, J. (1990). Full Catastrophe Living: Using the Wisdom of Your Body and Mind to Face Stress, Pain, and Illness. Delta.
  12. Newport, C. (2019). Digital Minimalism: Choosing a Focused Life in a Noisy World. Portfolio.
  13. Frankl, V. E. (1946). Man's Search for Meaning. Beacon Press.


أحدث أقدم

نموذج الاتصال